فوزي آل سيف

32

فقه العلاقات الاجتماعية

ويرى أمير المؤمنين العاجز عن اكتساب الاخوان وبناء العلاقات ، أعجز الناس ، وأما الأعجز منه فهو ذلك الذي ضيع علاقاته ، وخسر صداقاته بسوء تصرفه .. فـ ( أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان واعجز منه من ضيع من اكتسبهم ). وإنما جعله عاجزا لأن الأمر لا يحتاج إلى بذل الأموال الطائلة ، ولا القيام بأعمال عضلية مجهدة ، وإنما يحتاج إلى شيء من البشر في الوجه ، والكلام الطيب في اللسان ، وهذا أمر متيسر للجميع ، ولعل في كلام النبي صلى الله عليه وآله الذي ينقله أمير المؤمنين عليه السلام إشارة واضحة له فعن محمد بن علي الرضا عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بطلاقة الوجه وحسن اللقاء ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم[115] . ِويقدم الإمام الصادق عليه السلام طريقة حياته نموذجا في هذا الباب ، حيث أنه كان حسن العشرة مع غيره من الناس بل حتى مع مخالفيه ، لكي يتبعه أصحابه والسائرون على مذهبه ، فعن معاوية بن وهب قال : قلت له : كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا ؟ قال : تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون فوالله إنهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة إليهم . هذا مع ما دل على الأمر بالسلام وإفشائه في العالم ، والمصافحة والمعانقة والنهي عن قطيعة الرحم ـ مع توسعة دائرته ـ ، والنهي عن الهجر للمؤمنين .. الجمع بين الروايات : والجمع المحتمل بين هذه الروايات بعدما كان لا يمكن العمل بظاهر إطلاق كل منها وظاهره ، فإن الأولى تدعو إلى الاعتزال والوحدة وترك الناس ، بينما تدعو الثانية إلى العشرة معهم والانفتاح عليهم ، وعدم الاستغناء بالنفس عنهم .. يتمثل في عدة احتمالات : 1/ أن يقال باختلاف المتعلق في كل منهما ، فالاعتزال مطلوب لكن عن أهل الدنيا والمذكرين بالشهوات والأهواء ، وأهل الآراء الفكرية الشاذة ، وذلك لما يترتب على المعاشرة مع هؤلاء من احتمال التأثر بمنهجهم ، وأن يحسب الإنسان في نظر المجتمع كواحد منهم ، بل ربما كان في العقوبة معهم ، عندما تحل بهم ..ويشهد للجهة الأولى ما روي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ( أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا ) ؟ ، وللجهة الثانية ما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ( لا تصحبوا أهل البدع فتصيروا عند الناس كواحد منهم ) . وأما من يكون من أهل الآخرة ، والمذكر بالله ، والناصح للإنسان في حياته ولأجل ما بعد مماته ، فإنه ينبغي الحرص على معاشرته والانفتاح عليه ، بل والتفتيش عنه ! 2/ أن يقال باختلاف الفاعل : وذلك بأن نقول إن الروايات توجه الكلام إلى صنفين من الناس لكي يقوم كل صنف بوظيفته ، ودوره المطلوب منه ، ونظرا لأن هذين الصنفين مختلفان لذلك كان التوجيه لكل منهما يختلف عن توجيه الآخر . وهذا أشبه بالطبيب الذي يعطي وصفة مختلفة لمريضين تختلف حاجتهما البدنية . فالعالم الواعي يقال له ينبغي لك الاعتزال الذي يتوافق مع التأمل والتفكر ، أما الجاهل الذي لا يزال في أوائل الطريق فينصح بأن يختلط مع الغير ليأخذ من علمه ، ويتعرف على حكمته ..ويتأدب بآدابه . 3/ أن يقال بأن المناط مرتبط بالطوارئ والعوارض فإذا كانت المعاشرة واللقاء بالآخرين يؤدي إلى طوارئ سيئة مثل الغيبة وعيب الناس ، والتهجم عليهم ، وما شابه فإن العزلة خير منها وإذا كانت المعاشرة طريقا للتعاون على البر والتقوى ، والقيام بالخدمة الاجتماعية ، فهي أولى من العزلة .

--> 115 )وسائل الشيعة - الحر العاملي 12 / 162